ابن كثير
176
البداية والنهاية
أنه يذكر ذلك [ فإلى ما تدعو يا أخا قريش ] ( 1 ) ، ثم التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه فقال صلى الله عليه وسلم : " أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله ، وأن تؤووني وتنصروني حتى أؤدي عن الله الذي أمرني به ، فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغني الحميد " . قال له وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ) إلى قوله : ( ذلك وصاكم به لعلكم تتقون ) [ الانعام : 151 ] فقال له مفروق : وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ، ولو كان من كلامهم لعرفناه ، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) [ النحل : 90 ] فقال له مفروق : دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك ، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال : وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا . فقال له هانئ : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش وصدقت قولك ، وإني أرى إن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لم نتفكر في أمرك ، وننظر في عاقبة ما تدعو إليه زلة في الرأي ، وطيشة في العقل ، وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة ، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا . ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر ، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال : وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا . فقال المثنى : قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش ، وأعجبني ما تكلمت به . والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة وتركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا وإنا إنما نزلنا بين صريين ( 2 ) أحدهما اليمامة ، والآخر السماوة ( 3 ) . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هذان الصريان ؟ فقال له أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب ، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ، ولا نؤوي محدثا . ولعل هذا الامر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك ، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور ، وعذره مقبول ، وأما ما كان يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور ، وعذره غير مقبول . فإن أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي العرب فعلنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق إنه لا يقوم بدين الله إلا من
--> ( 1 ) من البيهقي وأبي نعيم . ( 2 ) الصريين ، وقيل صيرين تثنية صير ، والصرى للماء إذا طال مكثة وتغير ، وفي النهاية ، الصير ، الماء الذي يحضره الناس . ( 3 ) السماوة : وفي دلائل البيهقي : السمامة . وسميت بالسماوة لأنها أرض مستوية لا حجر فيها ، وهي ماء بالبادية ، وهي بين الكوفة والشام . ( معجم البلدان - معجم ما استعجم ) .